نحو عملية انتخابية أكثر فاعلية ومشاركة قراءة تحليلية أولية لانتخابات مجلس الشيوخ أغسطس 2025
أصدرت الجمعية الوطنية للدفاع عن الحقوق والحريات (NADRF) – وهي منظمة مصرية مستقلة وغير حكومية – ورقة تحليلية أولية حول الانتخابات الأخيرة لمجلس الشيوخ التي عُقدت في أغسطس 2025، وذلك في سياق حرصها على مواكبة التطورات الديمقراطية، والتقييم المهني للعمليات الانتخابية، ومراقبة مدى توافر مقومات المشاركة السياسية الفعالة والعدالة التمثيلية
وجاءت هذه القراءة التحليلية استنادًا إلى متابعات إعلامية وإفادات محلية، في ظل غياب التصاريح الرسمية لمتابعة الانتخابات ميدانيًا، وقد سعت الجمعية من خلال هذا التقييم إلى تسليط الضوء على أبرز الملاحظات المرتبطة بسير العملية الانتخابية، ومدى التفاعل المجتمعي، والتحديات المتكررة في المشهد السياسي المصري، ضمن إطار منهجي وتحليلي مستقل
شهدت الانتخابات تنظيمًا إداريًا جيدًا من حيث الجاهزية الفنية والاستقرار اللوجستي، ولم تُسجل خروقات أمنية كبيرة أو اضطرابات تُذكر خلال يومي التصويت، إلا أن الصورة العامة اتسمت بضعفٍ واضح في المشاركة الشعبية، لا سيما في المدن والمراكز الحضرية، وهو ما يثير تساؤلات حقيقية حول فعالية الأطر المنظمة للعملية الانتخابية، والقدرة على تحفيز المواطنين للمشاركة، ومدى إدراكهم لأهمية مجلس الشيوخ كغرفة برلمانية ذات طابع استشاري وتشريعي داعم
وقد أرجعت الورقة ضعف الإقبال إلى عدة عوامل مترابطة، أبرزها غياب الوعي العام بدور مجلس الشيوخ، والخلل الواضح في الأداء السياسي للمرشحين الذين لم يقدموا برامج انتخابية حقيقية أو رؤى واضحة، بالإضافة إلى ضعف الحضور الحزبي والتنافس البرامجي، الأمر الذي قلل من حماسة الناخبين وأضعف شعورهم بأن صوتهم قد يؤدي إلى تغيير فعلي أو تمثيل جوهري لمصالحهم. كما لعبت الحملات التوعوية المحدودة وغير الممنهجة دورًا سلبيًا في تراجع الإقبال، خاصة مع غياب حملات التثقيف الانتخابي المستدامة التي يفترض أن تتولاها المجالس القومية المتخصصة والجهات المنوط بها دعم الحياة السياسية
وفي هذا السياق، عبّرت الجمعية عن قلقها من الأداء المحدود للمجالس القومية المتخصصة، التي يُفترض أن تساهم في تهيئة البيئة الفكرية والسياسية للعملية الديمقراطية، وتدعم الإنتاج المعرفي المرتبط بوظائف المؤسسات الدستورية. إلا أن هذه المجالس باتت أقرب إلى كيانات شكلية غير مؤثرة في الخطاب العام، ولا تُمارس دورها الاستراتيجي في التأطير الفكري والتنمية السياسية، ما أسهم في حالة من الفراغ المعرفي وضعف التأثير على وعي المواطنين
وبشكل خاص، وجّهت الورقة انتقادًا موضوعيًا لأداء المجلس القومي لحقوق الإنسان، الذي يُفترض أن يكون من أبرز المؤسسات الداعمة للحقوق المدنية والسياسية، وخصوصًا الحق في المشاركة السياسية. إلا أن المجلس لم يقم بدور نشط في مراقبة المناخ الانتخابي، ولم يصدر عنه موقف واضح أو تقارير تقييمية مستقلة توضح رؤيته للعملية الانتخابية، كما لم يتبنَّ حتى الآن خططًا منهجية لدعم التثقيف الدستوري أو تعزيز مشاركة الفئات المهمشة، بل اقتصر دوره في أحيان كثيرة على بيانات بروتوكولية غير فاعلة. وهو ما يثير تساؤلات مشروعة حول مدى استقلالية المجلس وقدرته على أداء وظيفته الحقوقية الحيوية في تعزيز ثقافة الانتخابات الحرة والنزيهة
وفي مقابل هذا التراجع العام في التفاعل، رصدت الجمعية حضورًا نسائيًا ملحوظًا في عدد من المناطق الريفية والمهمشة، حيث ظهرت النساء كفاعل رئيسي في العملية الانتخابية، سواء كمشاركات في التصويت أو كعنصر نشط في الدعاية الانتخابية لبعض المرشحين، وهو ما يُعد مؤشرًا إيجابيًا على تنامي وعي المرأة المصرية بأهمية دورها السياسي، ويستدعي البناء عليه مستقبلاً عبر آليات دعم وتمكين فعالة ومستدامة
كما أشارت الورقة إلى أن هيمنة رجال الأعمال على المشهد الانتخابي قد أضعف جودة الخطاب السياسي، حيث غابت البرامج السياسية الحقيقية، وتراجع التنافس على أساس السياسات والرؤى لصالح النفوذ المالي والمكانة الاجتماعية، ما أفقد الانتخابات مضمونها الديمقراطي التعددي، وحوّلها إلى ساحة استقطاب نفعي وليست ساحة تنافس فكري. وقد ساهم ذلك في زيادة الفجوة بين المواطن وصناديق الاقتراع، وتعزيز الإحساس بعدم جدوى التصويت
وتؤكد الجمعية أن هذه المؤشرات، مجتمعة، تفرض الحاجة إلى إصلاح شامل في بنية العملية الانتخابية، يبدأ من تطوير النظام الانتخابي وتعزيز التعددية الحزبية، ويمر عبر تقوية دور مؤسسات الدولة في التوعية، وعلى رأسها المجالس القومية والمجلس القومي لحقوق الإنسان، وصولاً إلى إشراك أوسع للمجتمع المدني في جهود الرقابة والتثقيف والمناصرة، بما يعيد الثقة إلى المشهد السياسي، ويخلق مناخًا صحيًا لتداول السلطة وتمثيل الإرادة الشعبية الحقيقية
وتشدد الجمعية على أهمية أن تتبنى الدولة رؤية جديدة في دعم المشاركة السياسية الفعالة، تقوم على إتاحة المجال لتعدد الأصوات، وتفعيل المساءلة السياسية، وتحقيق العدالة في التمثيل، وإعادة الاعتبار لأهمية العمل البرلماني كمحرك للتغيير لا مجرد واجهة مؤسسية. كما تدعو إلى تمكين الأحزاب الجادة من لعب أدوارها، وتوفير منابر حقيقية للتعبير السياسي، بما يعزز التنوع السياسي ويرسخ الممارسة الديمقراطية
وفي ختام ورقتها، تجدد الجمعية الوطنية للدفاع عن الحقوق والحريات التزامها الكامل برصد وتحليل المشهد السياسي والانتخابي من منظور مستقل ومهني، وإصدار تقاريرها ومواقفها استنادًا إلى المبادئ الدستورية والمعايير الدولية، بما يسهم في دعم المسار الديمقراطي في مصر، ويعزز من قيم المواطنة الفاعلة، ويعيد الاعتبار للدور الجوهري للمؤسسات في خدمة الشعب لا الاكتفاء بالشكل دون المضمون
